قطب الدين الحنفي
129
تاريخ المدينة
السور الثاني : هو الذي بناه جمال الدين الأصبهاني ، وذلك على رأس الأربعين وخمسمائة . السور الثالث : بناه السلطان الملك العادل ، وذلك أن المدينة الشريفة ضاقت بأهلها فلما قدم السلطان المذكور في سنة سبع وخمسين وخمسمائة إلى المدينة لسبب رؤيا رآها استغاث به أهل المدينة وطلبوا أن يبنى عليهم سورا يحفظهم ويحفظ مواشيهم فأمر ببناء هذا السور الموجود اليوم فبنى في سنة ثمان وخمسين وخمسمائة ، وكتب اسمه على باب البقيع وهو باق إلى اليوم . وقصة الرؤيا ما حكاه المطرى وغيره أن السلطان محمود رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ثلاث مرات في ليلة واحدة وهو يقول له في كل واحدة منها يا محمود أنقذني من هذين الشخصين الأشقرين ( ق 148 ) اتجاهه فاستحضر وزيره قبل الصبح فذكر له ذلك ، قال : هذا أمر حدث بالمدينة ليس له غيرك فتجهز وخرج على عجل بمقدار ألف راحلة وما يتبعها من خيل وغير ذلك حتى دخل المدينة الشريفة على غفلة من أهلها وزار وجلس في المسجد لا يدرى ما يصنع فقال له وزيره : أتعرف الشخصين إذا رأيتهما ؟ قال : نعم . فأمره بالصدقة وطلب الناس عامة وفرق عليهم ذهبا وفضة ، وقال : لا يبقين أحد بالمدينة إلا جاء فلم يبق إلا رجلين مهاجرين من أهل الأندلس نازلين في الناحية التي تلى قبلة حجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم من خارج المسجد عند دار آل عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه فطلبهما للصدقة فامتنعا ، فجد في طلبهما فجىء بهما فلما رآهما قال : هما هذان فسألهما عن حالهما فقالا : جئنا للمجاورة ؟ فقال : اصدقانى . وتكرر السؤال حتى أفضى إلى معاقبتهما فأقرا أنهما من النصارى وأنهما وصلا لكي ينقلا من في هذه الحجرة المقدسة باتفاق من ملوكها ووجدهما قد حفرا نقبا من تحت الأرض من تحت ( ق 149 ) حائط المسجد القبلي وهما قاصدان إلى جهة الحجرة الشريفة ويجعلان التراب في بئر عندهما في البيت الذي هما فيه فضرب أعناقهما عند الشباك الذي في شرقي حجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلم خارج المسجد ثم أحرقا آخر النهار وركب وتوجه إلى الشام . انتهى واللّه أعلم .